ECSSR ECSSR Logo Ecssr Logo

تطور المناهج التعليمية في دولة الإمارات 12 اكتوبر 2011

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت مقابلة حصرية مع الشيخة خلود القاسمي، مدير إدارة المناهج بوزارة التربية والتعليم، أوضحت فيها أن تصميم المناهج الدراسية في دولة الإمارات العربية المتحدة ينطلق من منظور بنائي، ينظر إلى المتعلم بوصفه محور العملية التعليمية، ويركز على تعزيز مهارات التفكير العلمي لديه. وقد أجريت هذه المقابلة على هامش مشاركتها في المؤتمر السنوي الثاني للتعليم الذي عقده المركز في مطلع أكتوبر 2011 بعنوان: "مرتكزات التعليم المدرسي في دولة الإمارات العربية المتحدة".

وأكدت القاسمي حرص القائمين على المناهج على تقديم جرعة مناسبة من الثقافة المعززة للهوية الوطنية، وقالت إن عملية تطوير المناهج، وبصفة خاصة تطوير مناهج اللغة العربية، مستمرة لا تتوقف، كما أشارت إلى أن تصميم المناهج في الدولة يستند إلى المعايير العالمية. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: تطور التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ 1971 تطوراً كبيراً من حيث عدد المدارس وتنوعها وتوزعها. هل لكم أن تسلطوا الضوء على الإنجازات التي تحققت بالنسبة للمناهج التعليمية منذ قيام دولة الاتحاد عموماً، وكيفية تحديدها ووضعها؟

ج: يمكن تناول هذه الإنجازات من بعدين اثنين، هما: المصدر والبناء. فمن حيث المصدر، كان الإنجاز الأهم هو الانتقال من استيراد المناهج "إقليمياً" إلى إنتاجها "محلياً". ثم تطور الاتجاه إلى الاستفادة من الخبرات العالمية المتراكمة في مجال تصميم المناهج وبنائها. فتم اختيار سلاسل عالمية لكلٍ من مناهج اللغة الإنجليزية والعلوم والرياضيات التي تمّت مواءمتها محلياً؛ من أجل تهيئة فرص المنافسة العالمية لأبنائنا الطلبة، وتمكينهم من تحقيق نتائج متقدمة في المنافسات والاختبارات الدولية. وبعد ذلك، كان الانتقال في بناء هذه المناهج من مناهج ذات معايير محلية إلى أخرى ذات معايير عالمية. وتثبت تجربة الاختبارات الدولية التي خاضتها الدولة لهذا العام أن الطلاب أصبحوا مؤهلين ومهيئين لخوض مثل هذه الامتحانات؛ ليكونوا في مستوى أقرانهم من الطلبة في الدول المتقدمة.

ومن إنجازات البناء كذلك انتقال تصميم المناهج من المدرسة السلوكية إلى المدرسة البنائية. جدير بالذكر أن المدرسة السلوكية تقوم على أساس أن التعلم عملية اقتران بين مثيرات واستجابات، وتعتمد على سلوك المتعلم وما يتلقاه من معلومات فقط؛ ما قاد إلى التركيز على الجانب السلوكي في العملية التعليمية من دون اهتمام بالجانب التفكيري العقلي. أما المدرسة البنائية، فتستند إلى افتراض أن التعلم لا ينقل من المعلم إلى المتعلم، وإنما يبنى بصورة ذاتية في المتعلم، ويتطلب بالتالي منه جهدا عقليا. وكان من آثار هذا الانتقال تصميم المناهج وفقاً لمدخل الأنشطة، الذي يجعل من المتعلم محوراً للعملية التعليمية، والتركيز على مخرجات التعلم وعلى مهارات التفكير العلمي لدى الطالب؛ بحيث تسهم هذه المهارات في تناول المعارف والاستفادة منها وتطبيقاتها، والنظر إلى أن الكتاب المدرسي ليس هو المصدر الوحيد للتعلم بل هناك مصادر متنوعة، والاهتمام بمهارات البحث وتقنياته، وبالأنشطة الإثرائية والذاتية، واعتماد أساليب تقويم وأدوات تتلاءم وتحقيق النواتج التعليمية.

أما عن عملية وضع المناهج الدراسية، فالمناهج إما أن تكون بناءً جديداً كلياً، أو تطويراً لما هو موجود. في الحالة الأولى، يتم إعداد وثيقة منهج لكل مادة، تتضمن دواعي تدريس هذه المادة ومدى الحاجة إليها، وخصائصها، وطرائق تدريسها، ووصفاً لمحتوياتها، وأساليب تقويمها، بحيث تكون خريطة مفصلة عن كل ما يحتويه المنهج. أما في حالة المناهج المطورة، فيتم حصر دواعي تطويرها، مما يتعلق بالمجتمع وحاجاته، ومما يرتبط بالمتعلم نفسه، ومما يتصل بالمادة وما يلحقها من تطوير. ثم يعاد النظر في وثائق المواد، ويتم تقويمها في ضوء معايير محددة ومقننة، ويتم تطويرها في ضوء ما يسفر عنه التقويم.

س2: رافقت قيام الاتحاد عملية تجديد عميقة للمبادئ والتوجهات في الدولة، كيف انعكس هذا كله في المناهج التعليمية؟

ج: أدت عملية التجديد العميقة للمبادئ والتوجهات التي اختبرتها الدولة منذ العام 1971 إلى توجه الساسة التربويين إلى قيادة حركة تطوير شاملة للمناهج الدراسية؛ تستوعب جميع المستجدات العلمية والتربوية والتقنية في عمليتي التعلم والتعليم، وتوظف معطيات الثورة التكنولوجية والمعلوماتية بوعي في حياة المتعلمين آخذة بالتوجهات العالمية في بناء محتواها، ورابطة العلم بالحياة والتقانة، ومعززة للانفتاح الثقافي والحضاري، ومتفاعلة بإيجابية مع ظاهرة العولمة وما نجم عنها من تجدد في الاحتياجات الإنسانية والمجتمعية. وقد أفضت حركة التطوير تلك إلى إحداث تغيير في اهتمامات المتعلم وحاجاته وميوله، مع الحرص على إعداد المتعلم للتكيف مع مصادر المعرفة وشبكات المعلوماتية، والتفاعل الإيجابي الواعي معها.

وقد استهدفت عملية التطوير، ضمن ما استهدفت، رفع مستوى طلبة التعليم العام للوصول إلى مستويات عالمية من حيث الإعداد والتأهيل والقدرة على المنافسة في المسابقات الدولية، وتنمية الاتجاهات العلمية ومهارات البحث والاستقصاء والحوار لديهم، غير غافلة عن الاستجابة لحاجات المجتمع وسوق العمل في ضوء التسارع في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، وغير غافلة أيضا عن الحاجة لمناهج تحقق الربط اليسير بين التعليم العام والتعليم العالي، من خلال تزويد الطلبة بمهارات التفكير وعمليات التعلم التي تؤهلهم للالتحاق بكليات الجامعات والمعاهد العلمية العليا.

س3: كيف تتعامل المناهج التعليمية مع قضية الهوية؟ وما هي القيم التي تعملون في المناهج على تنشئة الأجيال عليها باعتبارها قيماً إماراتية مميزة ؟

ج: نحن نؤمن أن المناهج الدراسية تعد حلقة الوصل بين التربية وبين التعليم المطبق لأهداف هذه التربية، ومنها هدف إعداد جيل ملتزم بقيمه ومحافظ على هويته. وتمثل المناهج في الواقع الثقافة المشتركة لأبنائنا الطلبة. ولذلك، حرص القائمون على المناهج على تقديم جرعة مناسبة من الثقافة المعززة للهوية الوطنية، التي تبدأ من ظاهر أغلفة المناهج الدراسية وباطنها إلى محتواها، سواء من خلال الصور والرسومات أو المحتوى العلمي الذي يعزز قيم الهوية والانتماء والمواطنة.

وبصفة خاصة، هناك تكريس حيز جيد في المناهج لتدريس الأدب الشعبي والثقافة الأهلية حفاظاً على تراث الدولة وهويتها. فالأدب الشعبي والثقافة الأهلية مكونان أساسيان في مادة اللغة العربية والدراسات الاجتماعية، وكذلك في مادة التربية الوطنية، وفي مواد الأنشطة كالتربية الموسيقية والتربية والفنية .

وتولي مناهج دولة الإمارات اهتماماً بالغاً بالقيم بمختلف تصنيفاتها من قيم العقيدة الإسلامية، وقيم المواطنة والهوية الحضارية، وقيم حقوق الإنسان، والقيم البيئية، والقيم الاقتصادية، والقيم العالمية، وغير ذلك من منظومة القيم التي تمثل قيما أصيلة في مجتمعنا. وتركز جميع المناهج على الكفايات القيمية الأخلاقية؛ لأن الهدف المشترك لجميع هذه القيم هو تنشئة المواطن الصالح، الذي يتفاعل إيجاباً مع مجتمعه المحلي ومحيطه الخارجي.

س4: كيف يتم تحديث المناهج، وعلى أي أسس تٌحدث حتى تبقى مواكبة للعصر؟

ج: إن عملية تحديث المناهج هي عملية مستمرة سنوياً، وفصلياً في بعض المواد. وهذا التحديث مقنن وهادف، وينطلق من دواع ومبررات، منها المستجدات السياسية والجغرافية كما يقع في كتب التاريخ والجغرافيا، والمستجدات العلمية كما يحدث لكتب العلوم وتقنية المعلومات. وهذا التحديث يقوم به اختصاصيو المناهج بعد التواصل مع الموجهين المختصين أو الجهات العلمية المختصة. إن عملية تطوير المناهج لا يمكن أن تتوقف؛ لأن حاجات المجتمع متغيرة وحاجات المتعلمين متغيرة إضافة إلى التوجهات السياسية والمستجدات العلمية التي تطرأ على العالم. ولذلك، فإن التحديث المستمر يعد ضرورة أساسية.

س5: هل أنتم راضون عن طرائق تدريس اللغة العربية ومناهجها، أم ترون أن هناك حاجة لبذل المزيد من الجهود للارتقاء بهذه المادة التي شددت الدولة دائماً على أهميتها بالنسبة لحاضر الدولة ومستقبلها؟

ج: كلنا حريص على تعزيز مكانة اللغة العربية وتطويرها؛ لتكون قادرة على مواجهة مختلف التحديات المطروحة أمامها. ومن هنا، حرصت وزارة التربية والتعليم على تطوير مناهج اللغة العربية، وقد بدأنا بتطوير وثيقتها تنفيذاً لتوجيهات لجنة تطوير المناهج الوطنية المشكلة بقرار المجلس الوزاري للخدمات عام 2008، والتي تمثل الإطار المرجعي لها، وتعد خطة مكتوبة شاملة لجميع مقررات هذه المادة ومهاراتها الأساسية منذ مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر. وقد بنيت الوثيقة على معايير ومؤشرات الأداء التي تحقق الانسجام المنهجي، وتبني قاعدة معرفة مشتركة بين كل الأطراف المعنية بالعملية التعليمية من قادة تربويين ومعلمين وأولياء أمور.

وتتطلع الوثيقة إلى أن يكون المعلم والمتعلم طرفين فاعلين في العملية التعليمية؛ فهي تعتمد على معلم مثقف متمكن تمكيناً عالي المستوى من مادته، ومطلع اطلاعاً واسعاً على آخر المستجدات والأفكار في مجال تعليم اللغات، ويحرص حرصاً حقيقياً على تطوير إمكاناته، وأساليب تدريسه. وقد تم تقييم هذه الوثيقة من عدة جهات علمية.

وتنفيذًا لتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تم وضع وثيقة اللغة العربية على البوابة الإلكترونية للوزارة؛ من أجل استقاء آراء أصحاب الاختصاص والخبرة ومداخلاتهم ليتم الأخذ برأيهم، بما ينعكس إيجاباً على خدمة المجتمع. وبعد استقاء الملاحظات وإجراء التعديلات، تم اعتماد الوثيقة، وصدر قرار وزاري باعتبارها مرجعاً رئيساً لمناهج اللغة العربية في مدارس التعليم العام والمدارس الخاصة التي تطبق منهج الوزارة.

س6: كيف تجسد المناهج الدراسية حالياً اهتمام الدولة المتنامي بالصحة والبيئة والرياضة؟

ج: بالنسبة لجانب الصحة، فإن المناهج تجسد هذا التنامي من خلال عرض مظاهره في مقرراتها الدراسية، ومن خلال تواكبها معه في تعزيز غرس العادات الغذائية السليمة، وتوفير المعلومات والمهارات اللازمة للسلوكيات الصحية والتدريب على ممارستها في الأنشطة الصفية واللاصفية.

أما في مجال البيئة، فالمناهج تولي اهتماماً بإظهار جهود الدولة في مجال الحفاظ على البيئة. كما أن المنحى البيئي يعد منطلقاً لجميع المناهج والتي من خلاله تعمل على تكوين الاتجاهات والقيم البيئية، كترشيد استهلاك الموارد البيئية، ومعالجة التلوث، والدعوة إلى ممارسة الأنشطة التطوعية في البيئة المحلية، والعمل على الاهتمام بنظافتها.

أما في مجال الرياضة، فتعزيز ثقافة الرياضة لدى المتعلمين، وبناء أجسامهم وعقولهم وتنمية ملكاتهم ومواهبهم الرياضية، هدف تربوي لأجله تم تطوير مناهج التربية الرياضية، بالتنسيق والتعاون مع إدارة التربية الرياضية في الوزارة.




جميع حقوق النشر محفوظة © 2014 لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية