ECSSR ECSSR Logo Ecssr Logo

تجربة الإمارات في مكافحة التصحر: الاستراتيجية والسياسات 8 مايو 2004

تمثل الإدارة الاستراتيجية الإماراتية لمشكلة التصحر ومكافحته نموذجاً مثالياً للتعاطي الحكومي الفاعل، المنبثق من رؤية واعية للقضايا الملحة، والمؤسس على سياسات واضحة، والمعزز بالإجراءات والممارسات الملائمة والضرورية. تلك الإدارة، بما تفرع عنها من سياسات وممارسات ومؤسسات وتشريعات، مكّنت الدولة، على مدى العقود الثلاثة الماضية، من تطويق الآثار الخطيرة لتلك المشكلة، والحد من تداعياتها البيئية الضارة، رغم صعوبات كثيرة، تمثلت أساساً في قسوة الوضع البيئي للدولة، واحتياجاته الملحة للمعالجات العاجلة والمتواصلة في آن. ولا شك أن الرؤية الواضحة المبكرة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة لملامح الواقع البيئي للإمارات، واحتياجاته الملحة والمستقبلية، كانت هي المحرك الرئيس لمنظومة عمل متكاملة، تنوعت أنشطتها في مجالات العمل المختلفة في مكافحة التصحر، حتى حققت أهدافاً، كان يمكن اعتبارها مجرد خيالات وقت أطلقت وتم السعي لتنفيذها على الأرض. ولعل ضخامة تلك المنجزات كانت السبب في التقدير الدولي الواسع الذي حظيت به جهود سموه في المجالات البيئية، والذي تمثل في منح سموه ما يزيد عن خمس عشرة جائزة ووساماً، من جهات ودول ومنظمات عربية ودولية مهتمة بالموضوعات البيئية، وفي مقدمتها مكافحة التصحر. 

فقد وقعت الإمارات العديد من الاتفاقيات في مجالات مكافحة التصحر، واستضافت وشاركت باجتماعات على مستويات دولية وإقليمية عدة، ونظمت مؤتمرات وندوات وحلقات دراسية وورش عمل، كما أسست إدارات وأطلقت برامج وأنشطة، وبلورت معظم تلك الفعاليات باعتماد استراتيجية وطنية لمكافحة التصحر، لتنظم وتقود الكثير من الجهود والأنشطة الفاعلة في هذا المجال. لم ينطلق هذا التعاطي الواعي المميز مع مشكلة التصحر فقط من الإدراك الخاص بأبعادها ذات الأثر في المستوى المحلي، ولكنه تأسس كذلك على وعي بمخاطرها على المستوى الدولي، ومن إدراك واسع للطابع العالمي للمشكلات البيئية، وضرورة معالجة تلك المشكلات في إطار تعددي تعاوني، يعمق المسؤولية الجماعية للدول، ويزيد من قدراتها على مواجهة الأخطار البيئية. ويبدو أن مشكلة التصحر لا تحظى عالمياً بالجهود اللازمة لمواجهتها، رغم ما تتصف به هذه المشكلة من خطورة واتساع. فالتصحر يهدد ما يزيد عن 110 دول في العالم، ويواجه نحو مليار شخص خطر نفاد مصادر إنتاج الغذاء، بينما يتأثر نحو 250 مليون شخص تأثراً مباشراً بالتصحر. 

ويفقد العالم سنوياً نحو 24 مليار طن من التربة السطحية، كما تضررت نحو 70% من إجمالي مساحة الأراضي الجافة المستخدمة في الزراعة، وتقدر خسائر عملية التصحر بـ 42 مليار دولار سنوياً. هذه الحقائق، كما وردت في التقرير الأخير للاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر التابعة للأمم المتحدة، تشير إلى اتساع حجم الكارثة البيئية والإنسانية الناجمة عن التصحر على مستوى العالم. ولكنها لا تعني حصر المشكلة في حدود الأرقام الواردة آنفاً، إذ إن أثرها يمتد ليشمل صحة الإنسان وأنماط حياته ومستقبل وجوده على سطح المعمورة. الإنسان هو المسؤول الأول عن تفاقم مشكلة التصحر على المستوى العالمي، كما تتداخل عوامل سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وطبيعية في تعميق حجمها، الأمر الذي رتب على البشرية واجب التوقف والمراجعة والتصحيح، ما أمكن، في مسببات استنزاف موارد الطبيعة وزحف الصحراء، وكافة الأنماط السلوكية التي تؤدي إلى التصحر؛ كالاستخدام المكثف للأرضي الزراعية، والرعي الجائر والمبكر، وإزالة الغابات، والإسراف في الري وسوء الصرف والأهم من ذلك كله، الحروب، ومخلفات التجارب النووية، والتلوث الناتج عن الصناعة. لم تكن الإمارات العربية المتحدة بمنأى عن تبصر حقيقة المشكلة، فهي أمر واقع تفرضه مجموعة من التحديات البيئية للدولة؛ كالطبيعة الصحراوية الصعبة التي تمتد على نحو 80% من مساحة الدولة، والتزايد المطرّد في الأنشطة الصناعية المرتبطة بالنفط، وما تفرزه من مخلفات تؤذي البيئة، والنمو السكاني الذي وصل معدله حالياً إلى (5.6%)، والذي يعتبر من أعلى معدلات النمو السكاني في العالم، والمناخ الصحراوي الحار حيث تصل درجات الحرارة في فصول الصيف إلى 47 درجة مئوية.

 ورغم المصاعب الكثيرة فقد لاقت تجربة الإمارات في مجال مكافحة التصحر وتخضير الأرض من النجاح ما جعل منها نموذجاً تطمح الدول الأخرى للوصول إليه أو على الأقل الاستفادة منه. وظهرت إرهاصات الاهتمام بموضوع البيئة في الإمارات في بداية السبعينيات من القرن الماضي، عندما أوكلت إلى البلديات مهمة الحفاظ على البيئة، وفي أكتوبر 1975 قرر مجلس الوزراء إنشاء مجلس أعلى للبيئة يتبع لمجلس التخطيط، وعقب مشاركة الإمارات في مؤتمر قمة الأرض الذي عقد في البرازيل عام 1992، صدر قانون اتحادي بإنشاء الهيئة الاتحادية للبيئة، التي تهدف إلى مواكبة المفاهيم العالمية للتنمية المستدامة، وإنشاء إدارات بيئية مسؤولة عن حماية وتطوير البيئة. وتصاعدت وتيرة الوعي البيئي في الدولة، وصاحبها إنشاء المزيد من المؤسسات البيئية؛ مثل: هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها في أبوظبي، ومجلس حماية البيئة في الشارقة، وجمعية الإمارات لحماية البيئة البحرية في دبي، وهيئة حماية البيئة والتنمية الصناعية في رأس الخيمة، إلى جانب جائزة زايد الدولية للبيئة، وغيرها من الجمعيات والإدارات العاملة ضمن الشركات والبلديات. لقد أعطى توافر الإرادة السياسية وتسخير إمكانيات الدولة قضية حماية البيئة عموماً ومكافحة التصحر على وجه الخصوص زخماً متزايداً، ساهم في التخفيف من وطأة المشكلة، وتجلّت نتائج هذه الجهود في مظاهر عدة كانتشار الحدائق، والمسطحات الخضراء، والمحميات الطبيعية، والأعداد المتزايدة من أشجار النخيل التي وصلت إلى نحو 41 مليون نخلة، الأمر الذي جعل الإمارات تتبوأ المركز السادس عالمياً في إنتاجها للتمور، إلى جانب 150 مليون شجرة حرجية ومثمرة. ساهم كل ذلك في تخفيض واردات الدولة من الغذاء وفي زيادة مساحة الأراضي المزروعة. 

وتستخدم الدولة حالياً تقنيات حديثة كاستمطار السحب عن طريق رشها بالطائرات، من أجل المساهمة في سد احتياجات الدولة من الماء ودعم المخزون الجوفي من المياه، وكان لإقامة السدود والحواجز المائية التي بلغ عددها 133 سداً وحاجزاً دور كبير في توفير المياه اللازمة للزراعة وتخضير الأرض. دفع هذا النجاح دولة الإمارات إلى مزيد من العمل في هذا الاتجاه؛ فوقعت الحكومة نحو 18 اتفاقية دولية في مجال البيئة؛ منها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 1994، واستضافت أبوظبي أعمال الاجتماع الوزاري الآسيوي الثاني للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في يونيو 2003، وفي ديسمبر من العام نفسه اعتمد مجلس الوزراء استراتيجية وبرامج العمل الوطنية لمكافحة التصحر في دولة الإمارات، التي تعتبر إنجازاً متقدماً في تعزيز جهود الدولة في مجال مكافحة التصحر، وتتضمن أربعة برامج؛ هي: المحافظة على الموارد الطبيعية المتجددة من التربة والمياه والغطاء النباتي والثروة الحيوانية المستأنسة والبرية، ومواجهة حالات الجفاف والتخفيف من آثاره، والحد من تعرية التربة وتثبيت الرمال المتحركة، وتنمية القوى البشرية المواطنة العاملة في هذه المجالات. وتعتبر هذه الاستراتيجية ببرامجها والأنشطة المتعلقة بها من أبرز ملامح مستقبل العمل في مكافحة التصحر في دولة الإمارات. 

كما أنها حددت الخطوط العريضة التي ستنشط جهود مكافحة التصحر في الدولة من خلالها مستقبلاً؛ على صعد التمويل، والإرادة السياسية، ونقل التكنولوجيا، وإدارة موارد المياه، والبحث العلمي، والعمل المؤسسي. وتعلق الإمارات آمالاً على تلك الاستراتيجية وغيرها من الخطوات والسياسات التي اتخذت على مدى العقود الثلاثة الماضية، في تطوير قدرات مكافحة التصحر، وتحسين الوضع البيئي، وصولاً إلى تحقيق المفهوم المتكامل للتنمية المستدامة على أرض الدولة.




جميع حقوق النشر محفوظة © 2014 لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية