آســيا
مظاهر الصراع بين الإصلاحيين والمتشددين في إيران 28 ابريل 2016
الكاتب مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

ارتفعت وتيرة الاحتجاج في أوساط النخبة الأكاديمية والتـيار السـياسي الإصلاحي داخـل إيران جراء التدخل المسـتمر لـ«الحرس الثوري» في الشأن السياسي، وقد برز أحد أوجه الاحتجاج تلك من خلال رسالة وجهتها مجموعة من الأكاديميين الإيرانيين إلى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، مؤخراً، يعربون فيها عن استيائهم من تدخّل الأجهزة العسكرية في السياسة.

الرسالة التي وقّعها أكثر من ثلاثمئة أستاذ جامعي يمثلون اثنتين وسبعين جامعة مختلفة عبّرت عن رفض الموقّعين تدخل «بعض الأجهزة» العسكرية، وعلى رأسها «الحرس الثوري» في الشأن السياسي الداخلي والخارجي. وقد زاد حدة تلك التدخلات بعد توقيع الاتفاق النووي مع الدول الكبرى قبل أشهر، إذ باتت انتقادات قيادات «الحرس الثوري» للاتفاق وللشخصيات التي أسهمت في توقيعه مصدر إزعاج مستمر للنظام الحاكم ومؤيديه. وقد عبّر الأساتذة الجامعيون عن تأييدهم لخطوات روحاني ووزير خارجيته، محمد جواد ظريف، اللذين لعبا دوراً كبيراً في تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية مهمة، من خلال إبرام الاتفاق، الذي أسهم في تحسين صورة إيران، وفقاً للرسالة. كما انتقدت الرسالة بصورة ضمنية الحملات التي يتعرض لها رموز النظام المعتدل من طرف المرشد الأعلى وجناحه المتشدد، ممثلاً في قائد «الحرس الثوري»، محمد علي جعفري، الذي لم يترك أي مناسبة من دون انتقاد الاتفاق النووي، واصفاً إياه بأنه «مصدر لإذلال الشعب».

موقف الأكاديميين الإيرانيين الذي طالما انتقد المواقف المتصلبة لسلوك الثورة الإيرانية، ورموزها المحافظة، يرى فيه مراقبون توجهاً تقليدياً ضد سطوة المرشد الأعلى والجناح المتشدد الموالي له، كما يعكس من جهة أخرى طبيعة انقسام الرأي العام الإيراني الداخلي تجاه فكر ما يعرف بـ«الثورة الإسلامية» وتاريخها، كما يُعَدُّ مؤشراً إلى حراك شعبي متصاعد ضد هيمنة رجال الدين ورموزهم الفاسدين داخل النظام. كما قد تشكّل الرسالة الأخيرة دعوة أكاديمية خجولة لإعادة النظر في مفردات الثورة الإيرانية، وجس نبض النخبة المثقفة، لمعرفة مدى استمرارها في تقبل مفردات ثورة لم تعد صالحة للعصر ولا منسجمة مع مقتضيات التعايش والانفتاح.

وإذا كانت رسالة الأكاديميين تحمل في ظاهرها دعوة إلى التغيير السياسي، فإنها يمكن أن تعتبر إشارة إلى واقع اقتصادي صعب يعيشه الشعب الإيراني منذ سنوات، وخاصة أن الرسالة أشارت في إحدى جوانبها إلى أنه لا يمكن تجاوز الأزمات الداخلية في إيران من دون التوصل إلى «الوفاق الوطني» و«اتساع دائرة الحوار الوطني» و«تعزيز الأخلاق» في السياسة الداخلية الإيرانية. وتأتي دعوة الأكاديميين في وقت تشهد فيه المؤسسة العسكرية الإيرانية استقطاباً داخلياً بين قياداتها، تجلى في التصريحات الأخيرة لقائد الجيش الإيراني، عطا الله صالحي، حين أشار بطريقة غير مباشرة إلى هيمنة «الحرس الثوري» على القرار العسكري، في إشارة إلى دور هذا الأخير في إرسال بعض العسكريين إلى جبهات خارجية من دون موافقة الجيش.

لكن المعطيات الراهنة تفيد باستمرار قادة «الحرس الثوري الإيراني» على النهج نفسه، مستخدمين الشعارات القديمة نفسها، التي تنبني على خلق الأعداء الوهميين كمبرر لمواجهة الدعوات الإصلاحية كلها، فقد اتهم اللواء محمد علي جعفري، رئيس «الحرس الثوري»، في آخر تصريح له من يسميهم الأطراف السياسية داخل إيران بـ «التناغم مع العدو عن علم أو بغير علم، من دون أن ينظروا إلى نياته»، مضيفاً أن «التهديدات ضد إيران عقب الاتفاق النووي أصبحت أكثر جدية»، ودافع جعفري عن «الحرس الثوري» الذي وصفه بـ«جهاز الحرس المحافظ على الثورة ومكاسب النظام»، إلا أنه وبرغم الهجوم المتكرر الذي يشنه قادة «الحرس الثوري» اتساقاً مع النهج المتشدد للمرشد الأعلى ضد الغرب، فإن ثمة وجهاً آخر لهؤلاء المتشددين، حسب ما يقول بعض المتابعين، ففي الوقت الذي يتظاهر فيه المرشد الأعلى علي خامنئي بمعاداة الغرب، فإنه يستخدم تجاههم أسلوباً آخر أكثر ليونة في الخفاء، وهو ما تبرهن عليه المراسلات السرية بينه وبين الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز