قضايا عسكرية
التدخل العسكري في ليبيا بين الرفض والترحيب 1 مايو 2016
الكاتب مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

منذ ظهور تنظيم «داعش» في ليبيا وسيطرته على مناطق مهمة كمدينة سرت وهناك حديث متزايد عن قرب تدخل دولي في ليبيا؛ من أجل منع التنظيم من التمدد؛ وكان هناك اهتمام غربي واضح بضرورة الإسراع في تطبيق اتفاق الصخيرات وتشكيل حكومة وفاق وطني رأى الكثير من المراقبين أن أحد مهامها طلب تدخل دولي. ويلاحظ مؤخراً وجود نوع من التناقض في التصريحات الغربية فيما يتعلق بهذا التدخل، خاصة بين الولايات المتحدة وأوروبا. كما لم يتضح بعد موقف حكومة «الوفاق الوطني»، التي نتجت عن اتفاق الصخيرات من المسألة. فما هي حقيقة الموقف الغربي، وما الذي يمنع الحكومة الجديدة من طلب التدخل؟

بعد سلسلة تصريحات غربية تحدثت عن ضرورة التدخل في ليبيا، أكد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، خلال مؤتمر صحفي نهاية الأسبوع الماضي، مع رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، في لندن وجود خطط لنشر قوات برية في ليبيا لمواجهة تنظيم «داعش»؛ بل قال إنه يعتقد أنه ليس من الضروري نشر قوات برية، وأن من غير المحتمل أن يكون هذا الأمر موضع ترحيب من قبل الحكومة الجديدة. ولم يكد يمضي يوم على تصريحات أوباما حتى خرج وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، ليؤكد أنه لا يمكن استبعاد إرسال قوات إلى ليبيا إذا طلبت الحكومة الليبية ذلك. وتعكس هذه التصريحات نوعاً من التباين بين الموقف الأوروبي والموقف الأمريكي بشأن كيفية التعامل مع تهديد «داعش». وقد يكون مرد ذلك إلى تباين في تصورات التهديد الذي يشكله التنظيم. فواشنطن ترى في التنظيم خطراً كبيراً وتهديداً لمصالحها ومصالح حلفائها خاصة في أوروبا؛ ولكن البُعد الجغرافي من جهة، وعدم تعرض الولايات المتحدة لهجمات مباشرة من قبل التنظيم من جهة ثانية، ربما يجعل واشنطن في غير عجلة من أمرها لإنهاء التنظيم، برغم تأكيدها أنه هدف استراتيجي لها. وهي تركز على الضربات الجوية وبعض العمليات الخاصة فقط. أما بالنسبة إلى الأوروبيين فمن الواضح أن التنظيم أصبح هاجساً خطيراً جداً، فقد ضرب في العمق الأوروبي وهناك مخاوف متزايدة من أن يقوم التنظيم بعمليات جديدة في دول أوروبية أخرى غير فرنسا وبلجيكا، من بينها بريطانيا. ومن هنا فإن الأوروبيين، وخاصة فرنسا وإيطاليا وبريطانيا ميالون، بل وتواقون، إلى تدخل عسكري مباشر، ولكنهم يشترطون طلب الحكومة الليبية الجديدة. ويبرز التساؤل هنا: لماذا لم تقم هذه الحكومة حتى الآن بهذا الطلب؟
  
تتمتع حكومة «الوفاق الوطني» بدعم المجتمع الدولي وخاصة القوى الغربية، وهي بحاجة ماسة إلى هذا الدعم، حيث لم تتمكن بعد من تثبيت أقدامها، ومن المتوقع ألا تستطيع البقاء من دون الدعم الغربي لها خاصة في ظل الوضع الأمني القائم، ووجود قوى رئيسية معارضة لوجود هذه الحكومة في الشرق كما الغرب. ويبدو أن الدول الأوروبية تنتظر طلباً حكومياً من أجل التدخل. ولكنْ يبدو في المقابل أيضاً، أن  الحكومة الجديدة غير قادرة، على الأقل الآن، على الطلب من الغرب التدخل. فهي تدرك أن هناك معارضة داخلية شديدة، وإقليمية كبيرة لهذا التدخل، وهناك دول مهمة بالنسبة إليها عبرت عن رفضها أي تدخل عسكري في ليبيا، مع ملاحظة التحول الأخير في الموقف التونسي الذي عبر عن تأييدٍ لتدخل بري ضد تنظيم «داعش». كما أن الوضع الداخلي يكبح أي محاولة من حكومة الوفاق للإقدام على هذه الخطوة التي تحتاج إلى الكثير من الحسابات. فهي تسعى إلى كسب التأييد المحلي، وتحاول التواصل مع مختلف القوى حتى المعارضة لها من أجل ضمان دائرة أوسع من التأييد الشعبي لها في الداخل. ولعل طلب أي تدخل أجنبي في هذا الوقت الحساس بالذات قد يقوض مساعيها أو حتى يعصف بها كلياً. ولهذا كله وبرغم حاجة الحكومة إلى دعم خارجي فإن موضوع التدخل العسكري لا يبدو مرحباً به من قبل الحكومة الجديدة. ويبقى الخيار الأكثر احتمالاً إرسال عدد كبير من القوات الأوروبية لتدريب القوات الليبية التي تحارب «داعش»؛ وبالتأكيد لن يقتصر على ذلك فيما بعد!

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز