الشرق الأوسط
الأمور تسير نحو التقسيم في سوريا والعراق 19 ديسمبر 2015

على هامش المحاضرة التي ألقاها اللورد وليام هيج، لورد ريتشموند، وزير الخارجية البريطاني السابق، عن "الاتجاهات العالمية"، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، يوم الأربعاء الموافق السادس عشر من شهر ديسمبر 2015، أجرى الموقع الإلكتروني للمركز مقابلة حصرية معه، حاوره فيها حول قضايا عدة، مثل: التعاون بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة، والاتفاق النووي الإيراني الأخير، والتغيّـرات الجيوسياسية السريعة في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما في سوريا والعراق، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ وتحدث هيج عن مستقبل المنطقة في ظل هذه التغيّـرات، وفي ما يأتي نص ما ورد في هذه المقابلة:

س: لورد ريتشموند، دعنا نبدأ بالعلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة، التي قطعت شوطاً كبيراً منذ أيام "الإمارات المتصالحة". هل أنت راضٍ عن المستوى الحالي للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين البلدين؟ وما المجالات التي يمكن من خلالها تحسين هذه العلاقات؟

ج: حسناً، أظن أننا زدنا التعاون إلى حدٍّ كبير في السنوات الأخيرة. فقد كان من أولوياتي عندما كنت وزيراً لخارجية المملكة المتحدة تعزيز العلاقات بين المملكة المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة. فقد أوجدنا معاً فريق عمل بقيادة وزراء من البلدين. وقد عزز ذلك بشكل خاص العلاقات التجارية والاقتصادية. كما ضَمِن وجود مناقشات سياسية واستراتيجية دائمة. ولكن لا يزال هناك مجال لتعزيز التعاون الاستراتيجي نظراً إلى جميع التهديدات التي تواجه المنطقة. ونظراً إلى عدم استقرار الشؤون العالمية، تحتاج دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة إلى بعضهما استراتيجياً، لذلك آمل أننا سندفع الأمور إلى الأمام، وأنا متأكد أنه سيكون هناك مجال لدفع العلاقات قُدُماً في المستقبل.

س: في أثناء اندلاع أحداث ما يسمى "الربيع العربي" في بعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كيف كان الانطباع الأول في الغرب؟ وهل كان هناك توقع بأن تؤدي هذه الأحداث إلى كارثة؟

ج: أظن أنه كان هناك تشكيك كبير حول ماهية "الربيع العربي"، وكان هناك الكثير من القوى المختلفة الفاعلة فيه. في البلدان التي كان الناس فيها محرومين من الفرص، وفي البلدان الأخرى التي لم تنجح في تلبية احتياجات سكانها، كان هناك أناس يتحينون الفرصة، وبالطبع كانت هناك قوى أخرى سيئة تعمل على الأرض. ولذلك كان هناك أمل كبير لدى الغرب في أن يؤدي ذلك في بلدان، مثل: مصر، وتونس، وليبيا، إلى مزيد من الاستقرار على المدى الطويل، وأن يكون السكان أسعد مما كانوا عليه في ظل الحكام أو الأنظمة السابقة، لكن من المحزن أن الأمر تدهور إلى فوضى في معظم هذه الدول. وبالطبع لا يزال هناك أمل في أنه سيتم ترسيخ استقرار جديد في تونس، على سبيل المثال، ودعنا نأمل أن يتم التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المختلفة في ليبيا في القريب العاجل.

س: دفع الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، والتدخل الروسي في سوريا، دولَ مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى إعادة التفكير في مستقبل علاقتها بالغرب، في رأيكم كيف ستدفع هذه التطورات العلاقات الخليجية-الأوروبية قُدُماً؟

ج: أظن أن الاتفاق النووي الإيراني اتفاق جيد، وكان القيام به أمراً صائباً. وبالطبع، يظل الاتفاق أمراً مثيراً للجدل، لكنني أظن أن البدائل كانت جميعها أسوأ. فلو لجأنا بدلاً من ذلك إلى صراع عسكري مع إيران، فإننا لا نعرف ماهية عواقبه على المنطقة والعالم. فمن دون الاتفاق كان الوضع سيكون خطيراً في منطقة الخليج، وكل الأدلة تشير، الآن، إلى أن إيران صادقة تجاه الاتفاق. وفي المقابل وفي ما يتعلق بسياسة المنطقة تجاه إيران، أظن أن هناك حاجة إلى تنسيق وثيق بين الدول العربية والغرب بشأن سياسة أوسع نطاقاً تجاه إيران، مع الأخذ في الاعتبار أن إيران مستمرة بالتدخل في اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، وهذا أمر يجب التصدي له.

س: يبدو أن الصراعات والتغيّـرات الجيوسياسية في المنطقة ستؤدي إلى تغيير الحدود التي وضعتها اتفاقية "سايكس-بيكو" قبل نحو قرن من الزمن، وأنتم لكم رأي في أنه يجب ألا تعتبر هذه الحدود غير قابلة للتغيير، فهل ترون أنه من الممكن نشوء دول جديدة في المنطقة؟

ج: أظن أن الأمور تسير في ذلك الاتجاه في الوقت الحالي، برغم أنني لا أؤيد ذلك، وقد قلت إن اتفاقية "سايكس-بيكو" مضى عليها 99 عاماً، وهي قابلة للتغيير. الحل الأفضل هو وضع دستور جديد في سوريا واتفاق الجميع على طريق للمضي قُدُماً. ولكن إذا لم يكن هناك من سبيل لإيقاف الحرب هناك، فسيكون من الضروري في النهاية تجميد الصراع بين المشاركين فيه، باستثناء الصراع ضد تنظيم "داعش"، لأنه من الضروري تدميره. وهذا من شأنه عملياً أن يعني تقسيم سوريا على الأقل في الوقت الحالي. وإذا لم يتمكن العراق من إيجاد طريقة موحدة للمضي قُدُماً، فأظن أن الكثير من الناس، على الأقل خارج العراق، سوف يناقشون تقسيم العراق. ولذلك أظن أن الأمور تسير في ذلك الاتجاه، ومن المهم أن يفهم القادة في سوريا والعراق أنهم إن لم يتمكنوا من إيجاد سبيل للعيش بسلام معاً ومع بقية العالم، فإن الكثير من الناس سوف يؤيدون أنهم يجب أن يعيشوا منفصلين عن بعضهم بعضاً.

س: لقد حذّرتَ من أن القوات البريطانية يمكن أن تنجر إلى حرب برية في سوريا، فهل قلتم ذلك بناء على قراءتكم للمعطيات على الأرض، أم إنكم ترونه جزءاً من استراتيجيةٍ لمواجهة "داعش"؟

ج: برغم أن البرلمان البريطاني أقر في تصويته الأخير شن ضربات جوية ضد تنظيم "داعش" في سوريا وفي العراق أيضاً، فلا يوجد تصريح بريطاني للسماح بنشر أي قوات برية في سوريا أو العراق. لكن أظن أنه كي ننتصر عسكرياً على هذا التنظيم، الذي لا يعترف بأي حدود، فمن المهم أن نكون قادرين على العمل هناك، وفي هذا السياق قلت إننا يجب ألا نستبعد استخدام بعض القوات البرية في المستقبل، وأنا لا أعني أن هذه القوات يجب أن تكون بحجم القوات التي كانت في العراق عام 2003، بل أعني أنه ربما يكون هناك بعض القوات الخاصة بأعداد صغيرة من الدول الغربية، كالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، ما يساعد في إحداث فَرْقٍ جوهري لمصلحة القوى الحليفة من المنطقة.

س: تهاجم قوات التحالف العربي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، الحوثيين في اليمن، كما تم حالياً إعلان تحالف عسكري إسلامي جديد تقوده السعودية لمكافحة الإرهاب أيضاً، فهل تعتبر أن هذه التحالفات الإقليمية نتاج الظروف أم هي أكثر من ذلك؟

ج: هي نتاج الظروف؛ لأنه إذا كانت التهديدات الأمنية في تزايد، فمن المهم تحقيق أمن مشترك؛ وأظن أنه يجب دعم هذه التحالفات بشرط أن تشمل أكبر عدد ممكن من الدول؛ ولكي تنجح هذه التحالفات، كما نعلم من تجاربنا في "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، يجب أن نكون مستعدين لوضع قواتنا تحت قيادة دولة أخرى، وفي هذا السياق فإن إعلان هذه التحالفات يشكل تغييراً في تفكير دول كثيرة في الدول المشاركة فيه. وبشكل عام يجب دعم ذلك؛ لأن "الأمن المشترك الفاعل" يساعد على المدى الطويل في تقليص التهديدات التي تواجه الاستقرار الإقليمي.

س: قدمتَ توقعات عن حالة العالم في عام 2016 خلال "المنتدى الاستراتيجي العربي الثامن"، الذي انعقد في مدينة دبي مؤخراً، وحول الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي توقعتم استمرار الجمود، فهل ترى سبيلاً للمضي قُدُماً لتحريك هذا الملف، في ظل الحملة التي يقودها وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، من أجل السلام؟

ج: أنا لا أعمل في الحكومة، ولذلك لست مطلعاً على الأمور التي تجري وراء الكواليس، لكن من المخيّـب جداً للآمال -لأنني كنت أحد الأشخاص الذين شجعوا كيري بشدة، عندما كان يستعد لتولي منصبه وزيراً للخارجية الأمريكية- أنه برغم تركيزه الكبير على الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؛ وهو قد بذل جهوداً هائلة فعلاً في ذلك الشأن، فإنه لم يحرز تقدماً حقيقياً في هذا الملف، وعموماً آمل أن يستمر في ذلك خلال الفترة المتبقية له في الإدارة الأمريكية الحالية. ولكن إن لم ينجح، فسيكون من المهم جداً للإدارة الأمريكية المستقبلية أن تتابع هذه الجهود، لأنني أظن أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الوحيدة التي بإمكانها تحقيق السلام في هذا الملف.

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز