الدكتور محمد يونس: المؤسسات المصرفية غير مُنصفة تماماً 9 يناير 2014

في مقابلة حصرية مع الموقع الإلكتروني لـ "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية"، أدلى الأستاذ الدكتور محمد يونس (الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2006 تقديراً "لجهوده في مجال القروض متناهية الصغر والإسهام في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الدنيا") بتعليقات ثمينة وغنية بالمعلومات حول المشكلات التي تواجه النظام الاقتصادي العالمي، مسلّطاً الضوء على نجاحه الباهر في تطوير نظام التمويل متناهي الصغر. وقد أُجرِيت المقابلة الشخصية مع العالم الاقتصادي والناشط الاجتماعي المعروف دولياً (رئيس مجلس إدارة مركز يونس ومؤسسة بنك جرامين) على هامش المحاضرة التي ألقاها في "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" تحت عنوان: "الأعمال التجارية الاجتماعية: طريقة لحل المشكلات الأكثر إلحاحاً في المجتمع". وفيما يلي نص الحوار:

ظهر العديد من النظريات التي تفسّر أسباب الأزمة المالية العالمية الحالية التي بدأت عام 2008. في رأيكم، هل هذه التشوهات ناجمة عن الأدوات المالية المعقدة للغاية، أم بسبب انتقال مركز ثقل الاقتصاد العالمي إلى الشرق، أم لأن الاقتصاد العالمي بات متعلقاً بتلابيب تقلبات عملة دولة واحدة؟.

أول شيء أود أن أقوله هو أنني لا أعتبر الأزمة المالية مشكلة مستقلة بذاتها؛ فهي واحدة من الكثير من المشكلات العالمية الكبرى. ففي عام 2008، أصبحت هذه الأزمة أكثر جلاءً، واحتلت عناوين الصحف لأنها ضربت القطاع المالي، أي إن الأثرياء هم الذين تأثّروا بها، ولذلك أضحت ذات حيثية كبيرة. هل نتذكر أيضاً أنه في عام 2008 كانت هناك أزمة طاقة؟ الناس نسوا ذلك! ففي هذا العام بلغت أسعار النفط أقصى معدلات لها؛ حيث وصل سعر برميل النفط إلى نحو 150 دولاراً أمريكياً. لكن أزمة الطاقة لم تختفِ؛ جُلّ ما في الأمر أننا لا نناقش هذه الأزمة. وما زالت المشكلة مشتعلة في الخفاء. وشهدت هذه السنة أيضاً أزمة غذاء. وسقطت حكومتان خلال ذلك العام. وشهدت الكثير من الدول تظاهرات في شوارعها بسبب نقص الأغذية، وتوقفت الهند عن تصدير القمح، وأحجمت تايلاند عن تصدير الأرز، وواجهت دول مثل الفلبين صعوبة في استيراد الأغذية. وأزمة الطعام لم تختفِ؛ ولكنها ليست في بؤرة الأحداث الآن وحسب. وما زال الفقر جاثماً على صدور الناس، والتدهور البيئي آخذ في الازدياد. ولذلك فإنني أنظر إلى تلك الأزمة باعتبارها حزمة من الأزمات، بعضها ظهر معاً في عام 2008، ولم يوجد له حل إلى الآن.

ثانياً: في سياق الأزمة المالية أيضاً، والتي كانت مشكلة طمع لا أكثر ولا أقل، لم يتسبب الناس في جميع أنحاء العالم في اشتعال هذه الأزمة، ولم تشعلها دول عدة، ولا دولة واحدة أو حتى مدينة واحدة، بل عدد قليل من الأشخاص في "وول ستريت". حفنة من الأشخاص جعلوا ملايين من البشر حول العالم يعانون، وكثير من الناس خسروا وظائفهم ومصدر رزقهم، وأغلقت المصانع أبوابها، وغير ذلك من كوارث. كل ذلك حدث بسبب طمع قلة من البشر، قيل إنهم حوّلوا السوق إلى "كازينو قمار". وبذلك لم تعد المشكلة قاصرة على الاقتصاد، وأضحت جميع الأزمات الأخرى أيضاً مرتبطة ببعضها بعضاً.
وهذا هو العيب الأساسي الذي يشوب مفهوم الرأسمالية؛ فقد تم تفسير مفهوم الرأسمالية باعتباره نظرية لتعظيم الفائدة؛ ولذلك أصبح العالم مكاناً يسعى فيه الجميع وراء تعظيم الفائدة التي تعود عليهم. وهذا هو السبب في مواجهتنا كل هذه المشكلات التي تتراوح ما بين الأزمة المالية والأزمة الغذائية وأزمة الطاقة والأزمة البيئية وغيرها من الأزمات. لقد أطلق عام 2008 جرس الإنذار، لكننا لم نستيقظ من سباتنا. ولم نبادر بإصلاح أي شيء، بل عثرنا، وحسب، على حلول قصيرة الأجل.

لكن الكثير من الناس في عالم المال والأعمال يقولون إن المشكلة سببها قروض الرهن العقاري. ولعلكم أفضل مَن يردّ على هذا الاتهام لأن مصارفكم ومشروعاتكم تقرض المال للفقراء. وهنا يكمن السؤال: كيف يمكن للمرء أن يواجه الاتهام بأن منح قروض للفقراء العاجزين عن سدادها هو الذي تسبب في الأزمة؟.

هذه طريقة واحدة للنظر إلى المسألة، لكن الطريقة التي أنظر بها إلى الأمر هي أن المشكلة لم تكن تكمن في الناس، بل في مندوبي المبيعات الذين تسببوا في المشكلة. فقد قالوا للفقراء أو متوسطي الدخل إن بمقدورهم تحقيق مكاسب طائلة إذا اشتروا بيتاً. طلب منهم مندوب المبيعات أن يوقعوا وحسب على الأوراق اللازمة ويحصلوا على البيت، وبعد سنوات قليلة سيحققون مكاسب كبيرة. وبالتالي، فإن المشكلة لم تكن تكمن في الناس بل في مندوبي المبيعات الذين يعملون لمصلحة شركة تسببت في المشكلة. هذا هو الذي فتح الباب على مصراعيه للمضاربة، وأخذ الناس يشترون عدداً كبيراً من البيوت بأموال ضئيلة أو من دون تكلفة، وبعدها انهارت السوق. الجشع إذن هو الذي هيمن وسيطر. كثير من الذين يحققون مليارات الدولارات في أيامنا هذه ليسوا بحاجة إلى العمل لتحقيق هذه المكاسب. فهم يضعون أموالهم في سوق الأوراق المالية، ويحققون أموالاً طائلة بين ليلة وضحاها. ولذا، حدث انفصال بين العمل وكسب المال. وحقيقة الأمر أن المال الآن يعمل بالنيابة عن تلك الفئة من الناس. وهذه هي المشكلة.

يرى البعض أن مصارفكم أيضاً تتبع نظام الاحتياط الجزئي الذي يعتبره كثيرون سبباً للعلل الاقتصادية، برغم أن مؤسساتكم لها غاية إنسانية. في هذا السياق، ما الأيديولوجية الأساسية للبنوك الخاصة بكم؟ وماذا عن آلية عملها؟.

أعتقد أن الفقر ليس صنيعة الفقراء؛ بل صنيعة النظام. والفقير هو ضحية هذا النظام. ولذا، فإذا كنت تحاول اقتلاع الفقر من جذوره، فلا تقدم للفقراء تطمينات أو صدقات وحسب؛ لأن النظام سيدفعهم دفعاً إلى العودة إلى الفقر، وهذا هو سبب المشكلة. إذا أردنا اقتلاع الفقر، فإنه يتعين علينا إصلاح النظام والسياسات والإطار المفاهيمي. لقد حاولنا حل المشكلة، وقلنا إنه في سياق هيكل الرأسمالية هذا، أوجد العالم مؤسسات غير مُنصفة. والمؤسسات المصرفية ليست مُنصفة بالمرة.

هل تعترف بذلك بصفتك مصرفياً! أن النظام المصرفي غير منصف أساساً؟.

نعم، إنه ليس منصفاً بالمرة. أولاً، تأسست البنوك لإقراض الناس، والبنك يأخذ الإيداعات ويقرض المال، لكنك أوجدت بنكاً يقرض المال إلى أناس لديهم بالفعل أموال طائلة. أليس من المفترض أن تقرض المال للذين يفتقرون إلى المال؟ هذا هو التصرف المنطقي. لكنك عكست الآية، وغاليت في الأمر أيضاً. كانت أولويتك الأولى أن تقرض أغنى الأغنياء المال. يا للخطأ الجسيم الذي اقترفته! وبعدها توجِد مؤسسة مصرفية عالمية، وتتفاخر وتتباهى بها، وتسميها قلب النظام الرأسمالي. هذا نظام معيب التصميم لأنك لا تقرض المال إلى ثلثي سكان العالم، بل لفئة قليلة. هذا العدد من السكان نُبِذَ تماماً. كيف لك إذن أن تدير نظاماً عالمياً يحرم قطاعاً كبيراً من سكان العالم من خدماته؟ تزعم أن هذا مستحيل لأن هؤلاء المقترضين لن تكون لديهم القدرة على الوفاء بديونهم، ومن ثم فهم لا يستحقون الائتمان. يمكنك أن تحصل على كل التبريرات الساحرة. لكننا تحدّينا كل هذه المزاعم (في بنك جرامين). وأثبتنا أن الفقراء يمكنهم اقتراض المال وسداده. ولذا، إذا نظرت إلى (بنك جرامين)، لن تجده بنكاً عادياً يقرض الفقراء المال وحسب، إنه بنك يحافظ على النظام المصرفي التقليدي، ويتبنى نظاماً مختلفاً بالمرة، ويؤتي ثماره.

إن كلمة "ائتمان" تعني الثقة، بيد أن البنوك أقامت نظاماً متكاملاً يعتمد على انعدام الثقة. وحقيقة الأمر أنه لا مجال للثقة بالمعاملات المصرفية. فلا يسعك أن تنجز شيئاً قط من دون تدخل المحامين. أما نحن (في بنك جرامين) فقد غيّرنا هذا المفهوم؛ حيث إن المؤسسة مبنية على الثقة، ولا يوجد محامون لدينا في البنك، وهذا هو ما قلب النظام رأساً على عقب. وبعدها قيل إن هذا النظام قد يلقى نجاحاً في بنجلاديش، لكن ليس في الهند أو باكستان. والآن، يعمل هذا النظام في شتى أرجاء العالم، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أغنى بلدان العالم.

هل لديك وحدات قروض متناهية الصغر في منطقة الشرق الأوسط؟.

هناك برامج للقروض متناهية الصغر في المملكة العربية السعودية ولبنان والأردن والبحرين،... إلخ. وأنا سعيد بالتقدم الذي أحرزناه. إننا نعمل في هذا المجال منذ 37 عاماً، والجميع يتحدث عن أعمالنا في كل مكان، بيد أن هذا النظام ليس جزءاً من الصيرفة الاعتيادية، بل هو إضافة جديدة؛ هذه أعمال مصرفية لثلثيْ سكان العالم. ولذا، فقد شهدت نجاحاً ملموساً، لكن البعض لا يعتبره عملاً جاداً.

كيف ترى المعاملات المالية الإسلامية ودورها في الأعمال التجارية الاجتماعية؟.

تتبع المعاملات المالية الإسلامية النظام المصرفي نفسه. فهي تفسر الأشياء بطريقة مختلفة. إنهم يضيفون كلمات جديدة إلى هذا النظام، لكنه يظل هو نفسه النظام الذي نتبعه، لكن نحن نقدم خدمات المعاملات المالية الإسلامية في الكثير من الدول.

إذا تعيّن علينا تصنيف وجهة نظرك الاقتصادية، في أي فئة يمكننا تصنيفك؟ هل أنت اشتراكي أم متحرر؟ وهل تنتمي إلى اليسار أم إلى اليمين؟.

حقيقة لا أعرف. كل ما في الأمر أنني أنظر من حولي وأفعل ما أراه صواباً. لا أعرف إذا ما كنت رأسمالياً أم إنني أدمر الرأسمالية. ما يسعني قوله هو أن النظام الرأسمالي خاطئ، لكنه يظل برغم كل شيء فكرة عظيمة بوسعنا إصلاحها. وإنني أحاول أن أصلح شيئاً منها.

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز