الشرق الأوسط
سوريا.. قوات تتصارع والشعب هو الخاسر الأكبر 28 يناير 2018

يوماً بعد يوم، تتزايد تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في سوريا، في محصلة لتزايد التدخلات الخارجية، من قوات وميليشيات، وظهور تنظيمات إرهابية، قاتلت النظام والقوى المعارضة معاً، فضلاً عن بروز القوى الكردية في الشمال وتحالفها مع واشنطن، ثم إطلاق تركيا لعملية عسكرية تواجه من خلالها الكُرد. ليبقى الشعب أمام كل ذلك، قابعاً في دوامة الموت والتهجير.

ولبدء الحكاية من آخرها، لا بد من الانطلاق من العملية العسكرية التي أطلقها الجيش التركي مؤخراً في عفرين، والتي سميت «غصن الزيتون»؛ هدفها القضاء على الكُرد «الإرهابيين»، وفقاً لوصف أنقرة، يقابله وجود مقاتلين من الولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى، انضموا إلى صفوف القوات الكردية، في مواجهة القوات التركية، وتوافر نية لدى الذين قاتلوا في الرقة ودير الزور التوجه إلى عفرين، لشنّ معارك ضد القوات التركية، وفقاً لإعلان قوات سوريا الديمقراطية.

وبينما ترى الحكومة السورية في التدخل العسكري التركي في أراضيها انتهاكاً لسيادتها، يصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سيطرة الكُرد على مناطق على الحدود التركية، بـ «المؤامرة» التي تستهدف أمن تركيا، مؤكداً أن الأولوية تكمن بعودة 3.5 مليون لاجئ سوري يعيشون على أراضيها إلى ديارهم، لتأتي الحصيلة المبدئية إثر «غصن الزيتون»، بمقتل 28 مدنياً، نتيجة القصف التركي في عفرين، ومقتل 48 من مقاتلي الجيش السوري الحر الذي تدعمه تركيا، ومقتل 42 شخصاً من وحدات حماية الشعب الكردي، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وأمام الدم السوري المسفوح، وتكثيف الحكومة السورية لهجماتها على قوات المعارضة، آخرها الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية يوم 22 يناير الجاري، فشلت محاولات الأمم المتحدة في تحقيق السلام، برغم جولات عدة تمت بين ممثلين عن الحكومة والمعارضة السوريتين، كان آخرها المحادثات التي عقدت في فينا، قبل أيام، والتي لم تسفر عن تحقيق أي حل سياسي للأزمة. وبرغم تفاؤل المبعوث الخاص للأمم المتحدة بشأن سوريا «ستافان دي ميستورا»، بمحادثات فيبنا الأخيرة، تعمل روسيا، برفقة إيران وتركيا، على قدم وساق في تنظيم مؤتمر في منتجع سوتشي، نهاية يناير الجاري، هدفه خلق مسار سياسي موازٍ لجهود الأمم المتحدة في حل الأزمة السورية، فتعلن المعارضة، نيتها عدم المشاركة.

إن تعدد القوات المقاتلة على الأراضي السورية، وتعدد الدول المتدخلة بالشأن السوري، أحدث تعقيدات كبيرة في المشهد السياسي والميداني، سببها تعدد مصالح تلك القوى وتناقضاتها؛ فجاءت التحركات التركية الأخيرة، بصمتٍ روسي وقلق أمريكي، اكتفت فيه الولايات المتحدة، بحث أنقرة على الحد من عملياتها في عفرين، وتحذيرها من الدخول في مواجهات مع قواتها المتواجدة على الأراضي السورية، والتي تصل إلى ألفي جندي، ما يعني أنه لا أولوية إلا للأرواح والمعدات الأمريكية.

كما يكمن التدخل العسكري التركي في الأراضي السورية، بهدف وضع موطئ قدم لها في المنابر الدولية، كقوة رئيسية، تواجه من خلالها الدعم الأمريكي للكرد في سوريا؛ حيث دعا أردوغان الإدارة الأمريكية إلى التوقف عن تزويد وحدات «حماية الشعب الكردي» السورية بالسلاح، بينما تحرص واشنطن في الوقت نفسه على منع انهيار علاقاتها مع أنقرة. وأدركت كل من روسيا وتركيا وإيران، ومن خلال دعمهم لتنظيم لقاء «سوتشي» على التكاتف معاً، واتهام الجانب الأمريكي باستخدامه أساليب «دعائية»، لتقويض محادثات «سوتشي»، بعد أن اتهمت واشنطن دعم روسيا للقوات السورية، في هجوم الغوطة الأخير بالكيماوي، وما سبقه من عمليات مشابهة.

إن «صراع الجبابرة» على حصصهم من الكعكة، لا يأبه بخسارات السوريين لأرواحهم وممتلكاتهم؛ فروسيا تدعم الأسد لأجل مصالحها الاستراتيجية في سوريا، والولايات المتحدة تأمل الحصول على ثقل دبلوماسي، يقود إلى الإطاحة بالأسد، ولذلك أصدرت مع السعودية والأردن وفرنسا وبريطانيا وثيقة للحل تركز على سحب صلاحيات من الأسد لرئيس وزراء يعين بعيداً عنه. بينما تعمل تركيا على منع الكُرد السوريين من الحصول على حكم ذاتي، يقوي «شوكة» المسلحين الكُرد على أراضيها، الأمر الذي جعل أردوغان يهتم بتعزيز العلاقات مع روسيا وإيران، والترتيب لـ «سوتشي»، الذي لم يعد يجدي في إيجاد حلّ، يوقف دماء السوريين وينهي معاناتهم.

جميع الآراء الواردة في "قضايا راهنة" تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز