تحديد:        
     
 
المصدر : جريدة الاتحاد (أبوظبي-الإمارات)
التاريخ: 6 مارس 2018
 
التعليم.. المدخل الحقيقي للتعامل مع التغيير
 

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

عندما أكد سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، في كلمته في القمة الحكومية بدبي عام 2015، أن «رهاننا الحقيقي في الفترة المقبلة هو الاستثمار في التعليم»، فإن سموه كان يعبر عن فهم عميق لما يعيشه العالم من حولنا من تغيير كاسح في كل المجالات، حيث يعد التعليم هو المدخل الحقيقي الذي يجب أن تتبعه دولة الإمارات العربية المتحدة، وغيرها من الدول العربية الأخرى، للتعامل معه والانخراط الواثق، فيه، سواء في الحاضر أو في المستقبل، انطلاقاً من أنه «ليس أمامنا خيار إلا الاعتماد على النوعية، وسلاحنا الحقيقي هو العلم»، كما قال سموه في كلمته لشباب الوطن في ختام فعاليات «مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل»، يوم 8 مارس 2017.

إن العالم كله ينظر إلى التعليم على أنه المستقبل، وأن الاستثمار فيه هو الاستثمار الأمثل، لأن من يمتلك ناصية التعليم سوف يمتلك ناصية التغيير على الساحة الدولية، ومن دون التعليم لن يكون في مقدور أي دولة أن تفهم التغيير أو تستفيد من منجزاته، فضلاً عن المشاركة فيه أو تفادي مخاطره، حيث لا يمكن الحديث عن التحولات المتوقعة في مجال التكنولوجيا والوظائف والثروة والدخل والتنمية والأمن والاقتصاد والصراعات والحروب وغيرها في المستقبل بمعزل عن التعليم. وثمة تحول في مفهوم الثروة من الجانب المادي إلى الجانب المعرفي، لأن المعرفة أصبحت هي الثروة في ظل الاقتصاد المبني على المعرفة، وتشير الدراسات إلى أن التعليم هو الأكثر إسهاماً في تكوين الدخل القومي للدول، مقارنة بعناصر العملية الإنتاجية الأخرى، مثل رأس المال والعمل وغيرهما، كما أن النمو الاقتصادي منذ النصف الثاني من القرن العشرين قد غدا مرتبطاً بالتقدم التكنولوجي الذي أساسه التعليم، وليس بتراكم رأس المال كما كان في السابق، أما الأصول المرئية (المادية) فكانت تمثل 80% من أصول أكبر 500 شركة في العالم قبل أربعين عاماً، إلا أن الأصول غير المرئية المتمثلة بالأبحاث والدراسات والاختراعات العلمية، غدت تمثل الآن أكثر من 80% من أصول هذه الشركات.

وعلى مستوى التوظيف، تؤكد المؤسسات الدولية المتخصصة، أن وظائف المستقبل تختلف بشكل كبير عن وظائف اليوم، وأن التعليم، وليس غيره، هو الطريق الأساسي لإعداد البشر لهذه الوظائف، وفي هذا السياق فإن تقرير «رؤية جديدة للتعليم.. تعزيز التعليم الاجتماعي والعاطفي من خلال التكنولوجيا»، وهو الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 2016، طرح الكثير من المهارات المطلوبة لوظيفة المستقبل في القرن الحادي والعشرين، إذ لا بد لمؤسسات التعليم من تعزيزها لدى الطلبة وإلا فسيجدون أنفسهم من دون وظائف في المستقبل، والأمر نفسه أكده تقرير آخر للمنتدى الاقتصادي العالمي، بعنوان: «مستقبل الوظائف»، صدر خلال الاجتماع السنوي عام 2016 في «دافوس»، وأشار إلى أن 21% من المهارات الأساسية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، و41% منها في تركيا سيختلف بحلول عام 2020 عن المهارات التي برزت الحاجة إليها عام 2015.

وعلى مستوى التكنولوجيا، تشير التوقعات إلى تحولات تكنولوجية خيالية سوف يشهدها العالم خلال السنوات القادمة، وتغير وجه الحياة على ظهر كوكب الأرض على المستويات الاقتصادية والعسكرية والأمنية وغيرها، وخاصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي الذي يوصف التطور فيه من قبل الخبراء والمختصين في العالم بأنه «تسونامي». ولا شك في أن التعليم هو الطريق إلى تحقيق هذه التحولات، كما أنه الطريق إلى التعامل معها.

أي تعليم نقصد؟

والسؤال هنا هو: كيف يمكن أن يكون التعليم هو المدخل الحقيقي للتعامل مع التغيير في العالم العربي بشكل عام، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة بوجه خاص؟ ثمة اعتراف من قبل الجميع في المنطقة العربية، بضرورة الاهتمام بالتعليم للتعامل مع استحقاقات الحاضر والمستقبل، لكن ربما كان القليلون هم الذين يعرفون إجابة هذا السؤال، بمعنى أي تعليم نقصد؟ وبأي مجالات تعليمية نهتم؟ وما شكل التطور في مجال التعليم في المستقبل؟ وما الطريق الحقيقي نحو النهوض بالتعليم؟ وكيف كان نهج الذين سبقونا في العالم في هذا المجال حتى يمكننا الاستفادة منهم؟

وفي هذه المساحة الصغيرة سوف أحاول تقديم إجابات مختصرة لهذه الأسئلة، وفق ما يأتي:

• تشير التوقعات، بالاستناد هنا، بشكل خاص، إلى التوقعات التي أوردها «تقرير استشراف المستقبل» الصادر عن «أكاديمية دبي للمستقبل»، إلى الكثير من الأمور التي تلقي الضوء على شكل التعليم في المستقبل، من حيث المناهج وآليات التدريس وطريقة التقويم وغيرها، ومن هذه التوقعات: أن غرف الدراسة سوف تبدأ في الاختفاء تدريجياً لصالح التعليم عن بعد في عام 2025، وسوف يكون من الممكن استخدام الكيمياء لتغيير أدمغة الطلبة وتحسينها في عام 2030، وأن يحل الذكاء الاصطناعي محل المعلمين في عام 2031، وسوف تختفي الامتحانات لمصلحة طرق أخرى للتقويم في عام 2036، وفي عام 2059 سوف يصبح حفظ المعلومات أمراً غير ضروري، وغير ذلك من التوقعات التي يمكن للقارئ الكريم أن يطلع عليها بالتفصيل في التقرير المُشار إليه سلفاً. لكن ما يهمني هنا، أن تعليم المستقبل سيختلف بشكل جذري عن تعليم اليوم، وهو ما يجب أن نستعد له منذ الآن، وأن نعرف كيف سوف نتعامل معه على مستوى المناهج والتدريب والبنية التحتية والمعلم والطلبة وغير ذلك، لأن هناك ما يفوق الخيال في هذا المجال، حتى إن التوقعات تشير إلى أن الحواسيب سوف تتفوق على الإنسان في مستوى الذكاء خلال السنوات القادمة، وأنها، أي الحواسيب، «ستعلم نفسها أكثر مما تقوم ببرمجة نفسها، وهذا سيجعل الطلبة المجتهدين والملتزمين يبدون أغبياء مقارنة بها»، كما يقول عالم المستقبليات الفرنسي لورانت ألكسندر في كتابه «حرب الذكاءات»، وفق ما نقل عنه الكاتب المتخصص في الشؤون العلمية، بونوا جورج، في مقال نشرته صحيفة «الاتحاد» في أبوظبي يوم 1 يناير 2018.

الأولوية للعلوم الحديثة

•وإذا كانت التكنولوجيا هي أساس التطور والعمود الفقري للتغيير في العالم، فإن التعليم الذي نريده هو ذلك الذي يهتم بالعلوم الحديثة ويعطيها الأولوية، وخاصة في مجال التكنولوجيا واختراعاتها. وبالنظر إلى أن التوقعات تشير إلى أن وظائف المستقبل سوف تبحث عن أصحاب «المهارات» أكثر من أصحاب «المعارف»، فإن أنظمة تعليمنا يجب أن تركز على تعزيز هذه المهارات من خلال التعليم المهني والحرفي بشكل خاص، وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الأوروبي يتوقع أن نصف الوظائف المتاحة في عام 2020 سيتطلب مؤهلاً متوسطاً، ما يعني ضرورة تعزيز الاهتمام بالتعليم الفني والمهني.

•المعلم هو أساس النجاح في أي عملية تطوير للتعليم في الحاضر أو المستقبل، وإذا لم يكن لدينا معلم عصري يمتلك الأدوات التي تؤهله للتعامل مع التطورات الكبرى في المجال التعليمي، فإن أي خطط لخلق تعليم متطور سوف تذهب سدى. وهذا يحتاج إلى إعادة النظر، من الآن، في كل برامج وسياسات إعداد المعلمين في المراحل التعليمية المختلفة، ووضع خطط ممتدة لتدريب وإعادة تأهيل المعلمين الحاليين الذين تلقوا تعليماً تقليدياً ومارسوا وظائفهم في ظل نظم تعليمية تقليدية لم تعد صالحة للحاضر، فضلاً عن المستقبل.

•تؤكد تجارب الدول المختلفة أنها حققت التقدم حينما أعطت المخصصات المالية للتعليم والبحث العلمي، الأولوية القصوى، ولذلك تشير إحصاءات عام 2000، على سبيل المثال، إلى أن سويسرا تنفق على الطالب سنوياً 12 ألف دولار، وتنفق الولايات المتحدة الأميركية 6500 دولار، وأوروبا 5000 دولار، وإسرائيل 3500 دولار. ووفقاً لتقرير المواهب العالمية 2016، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية بسويسرا في نوفمبر 2016، فإن أيسلندا والدنمارك تنفقان 7.6% من ناتجهما المحلي الإجمالي على التعليم، وجنوب أفريقيا 7.3%، وأوكرانيا 7.2%، والبرتغال 6.8%، وإسرائيل 6.3%، وتصل هذه النسبة إلى 5.12% في ماليزيا، و4.93% في كوريا الجنوبية، و5.26% في أستراليا، و3.53% في اليابان. كما تعطي الدول الراغبة في التقدم والتفوق أهمية كبيرة للبحث العلمي، باعتباره الوسيلة لإنجاز أكبر الاختراعات العلمية، فعلى سبيل المثال، تصل نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.74% في كوريا الجنوبية، و2.87% في ألمانيا، و1.68% في بريطانيا، وهكذا في الدول المتقدمة الأخرى، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2014، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 0.2% في العالم العربي، مقارنة بالمعدل العالمي الذي يصل إلى 2.28%، ومقارنة بالحد الأدنى للإنفاق الحكومي على البحث العلمي على المستوى العالمي ونسبته 0.73%.

•الدول التي راهنت على التعليم نجحت في رهانها، لأن الاستثمار في مجال التعليم، هو استثمار مضمون النتائج، فبفضل التعليم ارتفع معدل دخل الفرد سنوياً في سنغافورة من 500 دولار عند انفصالها عن ماليزيا في عام 1965 إلى أكثر من 70 ألف دولار حالياً، على الرغم من أنها دولة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 700 كيلومتر مربع وشحيحة الموارد. وبفضل التعليم أيضاً، تراجع معدل الفقر في ماليزيا من 70% إلى 5% خلال الفترة من 1970-2000، وارتفع معدل دخل الفرد سنوياً من 350 دولارا إلى نحو 18 ألف دولار خلال الفترة من 1970-1993.

التعليم ومرحلة ما بعد النفط

ماذا عن دولة الإمارات العربية المتحدة؟ لا شك في أن القيادة الرشيدة، تعطي أهمية كبيرة للتعليم، فهي تدرك دوره المحوري في تحقيق التنمية المستدامة، في مرحلة ما بعد النفط، ولكن، لا يزال الطريق نحو خلق تعليم عصري قادر على التعامل الحقيقي مع التغيير في العالم، طويلاً وصعباً، ويحتاج إلى الكثير من الجهد والخطط والاستراتيجيات الجديدة. وعندما أقول إن الطريق طويل وصعب، فإن هذا يستند إلى معطيات وأرقام دقيقة، فعلى سبيل المثال، نجد أن الإنفاق على البحث العلمي في دولة الإمارات العربية المتحدة، لا يزال أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا تتجاوز نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي الإجمالي 1.10%، وهاتان النسبتان أقل بكثير من نظيرتيهما في الدول المتقدمة سواء في الشرق أو الغرب، كما سبقت الإشارة. وفي الوقت الذي نحتاج فيه إلى الاهتمام بدراسة العلوم الحديثة والتكنولوجيا، تؤكد أرقام وزارة التربية والتعليم عام 2014، أن نسبة إقبال الطلبة المواطنين على القسم الأدبي 65% مقابل 25% فقط للقسم العلمي. وفي حين تشير الإحصاءات إلى أن إمارة أبوظبي وحدها، سوف تحتاج إلى 40 ألفاً من العمالة الماهرة، فإن النظام التعليمي لا يوفر سوى 3 آلاف فقط، وخاصة في ظل النظرة الاجتماعية الدونية إلى التعليم المهني والفني.

وعندما أقول بضرورة إعطاء اهتمام أكبر لتدريس العلوم الحديثة، وخاصة في مجال التكنولوجيا، فإنني لا أقصد من ذلك إهمال تدريس العلوم الاجتماعية، وإنما تحقيق التوازن في الدراسة بين العلوم التجريبية والاجتماعية. ففي الوقت الذي تكتسب فيه العلوم التجريبية، مثل الهندسة والطب والكمبيوتر وغيرها، أهمية قصوى في صنع الثروة والتنمية، فإن العلوم الاجتماعية لها أهميتها كذلك في خلق أجيال متفتحة، ولديها عقلية ناقدة قادرة على التمييز بين الخير والشر والحق والباطل، وخاصة أن الدراسات المتخصصة تتحدث عن أن خريجي الكليات العلمية سيكونون أكثر عرضة للوقوع في فخ الجماعات المتطرفة والإرهابية مقارنة بخريجي الكليات الاجتماعية، لأن دراستهم العلمية الجامدة تترك لديهم فراغاً روحياً تعمل قوى التطرف على استغلاله والنفاذ منه. ولذلك، فإنني أطالب بتدريس بعض مبادئ العلوم الاجتماعية، مثل التاريخ والاجتماع والسياسة وغيرها، لطلبة الكليات العلمية.

لقد قلت في مداخلة لي عام 1998، على هامش المؤتمر السنوي الرابع لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، بعنوان: تحديات القرن الحادي والعشرين: التعليم وتنمية الموارد البشرية، إن الوقت قد حان لكي نضع مواردنا في مكانها الصحيح، من خلال الاستثمار في العملية التعليمية، وإن التعليم هو الأساس الذي نكسب من خلاله جيلاً أو نخسره، وإذا لم نضع الأسس الحقيقية لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، من خلال الاستثمار في التعليم، فإننا سنواجه مشكلة فقدان جيل قادم. وعلى الرغم من مضي ما يقارب عشرين عاماً على هذا الكلام، فإنه يلامس ضرورات اليوم والغد ويعبر عنها، حيث تثبت التطورات في العالم كله، أن التعليم قد غدا هو المعيار الأساسي للتقدم والمفاضلة بين الدول، ومصدر الثروة والقوة على الساحة الدولية.

 

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=97882